عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
67
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
على العرب في عسكرهم فاستقلّتهم ، فقالت لأبيها : لا تسرع بالقتل في هؤلاء وانحلنيهم ، فقال لها : قد نحلتك إياهم فالتقوا وهي تنظر فهزمهم اللّه عزّ وجلّ وقتل أبوها جرجير وهي تنظر فتنازع النّاس في قتله ، فقالت : ما للعرب يتنازعون ؟ فقيل لها : في قتل أبيك ، فبكت وقالت : قد رأيت الّذي أدرك أبي وقتله . فقال عبد اللّه بن سعد هل تعرفينه ؟ فقالت : إذا رأيته في الحالة التي أدرك أبي فيها عرفته ، قال : فأخذ عبد اللّه الناس بالعرض فمرّوا بين يديها وهي تنظر ، حتى مرّ عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما فقالت : هذا قاتل أبي ، فقال لها عبد اللّه بن سعد : كتمتنا يا أبا بكر قتلك إياه ، فقال له : قد علمه الذي قتلته له ، فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك وفي ذلك يقول ابن الزبير حين بلغه أن أباها نحلها العرب لما سألته ذلك : يا ابنة جرجير تلقي « * » نحلتك * لقيت بالنحلة ثكلى ابتك لتأخذن في الطريق عقبتك * لتسقين شر ماء قربتك شر عجوز بالحجاز ربتك وقيل : إنّه لما حضر القتال ، أخرج جرجير ابنته وألبسها حليّها وثيابها وأسفر عن وجهها ، وكان عدة خدمها اللّاتي صعدن معها الدّيدبان أربعين خادما فقال جرجير الملك : أتدرون من هذه ؟ فقالوا : نعم يا سيدنا هذه ابنة الملك ، وهؤلاء خدمها ، فقال لهم : وحقّ المسيح والنصرانية لا يقتل عبد اللّه بن سعد منكم رجل إلا زوّجته ابنتي وسقت إليه ما معها من الخدم والحليّ ، وأنزلته المنزلة التي لا يطمع فيها أحد عندي ، فلم يزل يقول ذلك ، حتى مشى على جميع رجاله فحرّض بذلك الروم تحريضا كثيرا ؛ فلما انتهى لعبد اللّه بن سعد ما فعل جرجير نادى في عسكره وأخبرهم بالذي كان من جرجير ، ثم قال لهم : وحق محمد بن عبد اللّه رسول اللّه لا يقتل رجل منكم جرجيرا إلا نفلته ابنته وما معها ؛ ثم زحف بمن معه من المسلمين ، فضرب اللّه عزّ وجل في وجوه الروم ، وأدرك عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما جرجيرا فقتله . قال عبد اللّه بن الزبير : هجم علينا جرجير في عسكرنا في عشرين ومائة ألف فأحاطوا بنا من كل مكان وسقط في يد المسلمين ، ونحن في عشرين
--> ( * ) تلقي بسكون الياء وحذف النون منه وفي هذا الرجز من كمال إعراض ابن الزبير عن زخارف الدنيا ما لا يخفى .